فوزي آل سيف

34

من قصة الديانات والرسل

وسر ذلك هو ما قاله صاحب كتاب (العلم يدعو إلى الإيمان)[99]والذي يبيِّن فيه هذه الحقيقة؛ وهي أنَّ هذا الكون قائم على نظام دقيق جدًا، بحيث من يتعمّق فيه لا يملك إلاّ أن يعترف بالله (عزَّ وجلَّ)، وأن يسلّم له ويؤمن به.. هذا مثال من السابق. وأما الآن فما يذكر عن فرنسيس كولينز(ولد 14 ابريل 1950) وهو عالم جينات، عرف عنه اهتمامه بأبحاث جينات الأمراض وعلم الوراثة عموما وعرف بريادته لمشروع الجينوم البشري. وهو صاحب كتاب "لغة الله: العلم يقدم دليل الإيمان ". وكان قد نشأ في أسرة لا تهتم بالدين وانتهى في شبابه إلى الالحاد،[100]إلا أنه وقف منبهرًا أمام عظمة الله سبحانه في الخلق ويقول ما ترجمته "بصفتي مدير مشروع الجينوم البشري، قُدتُ مجموعة من العلماء لقراءة 3.1 مليار حرف في الجينوم البشري؛ كتاب التعليمات الجيني الخاص بنا! كمؤمن؛ أرى الحمض النووي، الجزيئة المعلوماتية لكل الكائنات الحية، أراه كلغة الإله التميز والتعقيد في أجسامنا وفي الطبيعة انعكاس لخطة الإله!". بل إن رائد المنهج التجريبي فرنسيس بيكون المتوفّى سنة 1626 ميلادية تنقل عنه هذه الكلمة: "إذا أمعن العقل النظر وشهد سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها فإنه لا يجد بدًّا إلا التسليم بالله تعالى". إذن لماذا نجد بعض المتعلمين يصبحون ملحدين؟! يقول في عبارة أخرى تنقل عنه: "إنّ القليل من الفلسفة والعلم يميل بعقل الإنسان إلى الالحاد، لكنَّ التعمُّقَ في العلم ينتهي بالعقول إلى الإيمان"[101]!. إن القرآن الكريم يكشف هذه الحقيقة قبل عشرات القرون ليقرر أن أولي الألباب والعقول الكبيرة عندما يتأملون في خلق السماوات والأرض وما فيهما يرون آيات صنع الله وقدرته فيها ويؤمنون به: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))، ليس الأمر عبثيًّا ولا باطلًا من غير نظام وإنما (كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ)[102]. نكمل النقض بنقض آخر وهو أنه لو كان الدين يتعاكس مع العلم، وكان الإنسان كلما ازداد علمًا ابتعد عن الدين أكثر وهجر الإيمان كما يقول أصحاب النظرية المذكورة، لكان من مصلحة الدين أن يبقى الناس في الجهل، لأن العلم ينتهي بهم إلى ترك الدين! وكان من الضرر على ارباب الديانات أن يدفعوا الناس إلى التعلم والتعمق في العلم. فإن في العلم فناءَ الدين كما يزعم هؤلاء، فالمفروض إذن أن يبقي أربابُ الدين الناسَ في دائرة الجهل ويبعدوا العلم من الساحة قدر الإمكان. وهذا مخالف للوجدان فإننا نجد في الدين الإسلامي خصوصًا أنه رفع منزلة العلماء، وجعل العلم في درجة لا تساويها درجة أخرى حيث (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)[103]، ودعا أتباعه إلى التعلم والتفكر والسير في عالم الطبيعة واكتشاف أسراره، وتبين

--> 99 كريسي موريسون كان رئيس أكاديمية العلوم في نيويورك وكتب كتابه في الرد على جوليان هكسلي الذي ألف كتابا بعنوان (الإنسان يقوم وحده) فكتب موريسون كتابه بعنوان (الإنسان لا يقوم وحده) وترجم للعربية بعنوان (العلم يدعو للإيمان) أورد فيه من أسرار الخليقة ما لا يمكن فهمه إلا بأنه من لدن حكيم خبير. 100 جريدة الرياض السعودية الأربعاء 12المحرم 1428هـ - 31يناير 2007م - العدد 14100/ الكترونية قرئت بتاريخ 13/10/1441 101 النشار؛ د. مصطفى النشار: فكرة الألوهية عند افلاطون وأثرها في الفلسفة الإسلامية والغربية / 334. وقد أورد الكاتب عددا غير قليل من كلمات الفلاسفة والعلماء الطبيعيين التي تنتهي إلى الإيمان بالله. 102 الرعد: 8 103 المجادلة: 11